أحمد بن علي القلقشندي
226
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وحينئذ فلا يصلح لها إلا من كان من كرام الخيم ( 1 ) بارز الخيام لاصطناع المعروف ، ومع سموّ الرّتبة سامي الهمّة لإغاثة الملهوف ، ومع عزّ الجناب لدى ملكه ليّن الجانب لذي المسألة ، ومع قربه بحضرة سلطانه قريبا من الرّعيّة حتّى من المسكين والأرملة . وغير خاف أن كلّ وصف من هذه الأوصاف مع مقابله كالضّدّين اللَّذين لا يجتمعان بحال ، والنّقيضين اللَّذين قضى العقل بأنّ الجمع بينهما محال ، وأنّى يجتمع العالي والهابط ، والمرتفع والسّاقط ؟ أم كيف تتّصل الأرض بالسّماء ، أو يقع امتزاح عنصر النّار بعنصر الماء ؟ ومن ثمّ عزّ هذا المطلب لهذه الوظيفة حتّى إنّه لأعزّ من الجوهر الفرد ، وقلّ وجوده حتّى لم يوجد إلا في الواحد الفذّ [ الفرد ] ، فلا تراه إن تراه إلا في حيز النّادر ، ولا تظفر به إلا ظفرك ببيض الأنوق ( 2 ) إن كان يظفر به ظافر ؛ إلا أنه ربّما سمح الدّهر فأتى بالفذّ من هذا النّوع في الزّمن المتباعد ، أو أسعد الدّهر فأسعف بالواحد بعد ألف واحد . ثم قد مضت برهة من الأيام وجيد ديوان الإنشاء من نظر من هو متّصف ببعض هذه الأوصاف عاطل ، والدّهر يعد بمن يقوم فيه بتفريج كربة الملهوفين ولكنّه يماطل : يرفّه ما يرفّه في التّقاضي وليس لديه غير المطل نقد ! إلى أن طلع نيّر الزّمان وتوضّح شروقه ، وظهرت تباشير صباحه وأفل بطلوع السّعد عيّوقه ( 3 ) ، فأقبلت الدولة الظاهرية بسعادتها ، وتلقّتها الأيام الناصرية جارية منها على وفق عادتها ، ووفّر للدّولتين من انتخاب الأصفياء
--> ( 1 ) الخيم : الأصل ؛ والطبع والسجيّة . ( 2 ) الأنوق : العقاب أو الرخمة . ( 3 ) العيّوق : نجم أحمر مضيء في طرف المجرة الأيمن ، يتلو الثريا ويتقدّمها ، ويطلع قبل الجوزاء .